الذهب مسار هابط وإعادة يتصدر محور هذا الخبر ضمن سياقه المباشر.
الذهب مسار هابط وإعادة
تتجه أسواق الذهب إلى واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ سنوات، مع دخول المعدن النفيس في موجة هبوط ممتدة أوصلته إلى أدنى مستوياته في سبعة أشهر، وسط تصاعد الرهانات على رفع الفائدة في أمريكا، وعودة قوة الدولار، وتراجع واضح في شهية المستثمرين.
وبينما تنقسم التقديرات بين بنوك كبرى حول مدى عمق التصحيح، يجمع معظمها على أن المرحلة الحالية تعكس “إعادة تسعير قاسية” لبيئة الفائدة العالمية أكثر مما تعكس تغيّراً في الأساسيات طويلة الأجل. تظهر التقديرات الصادرة عن مؤسسات مالية كبرى، وفق ما نقلت إندبندنت عربية، أن المسار النقدي في أمريكا بات العامل الأكثر حسماً في حركة الذهب.
فقد أشارت مذكرة بحثية حديثة صادرة عن “دويتشه بنك” إلى أن تشدد السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب قوة البيانات الاقتصادية الأمريكية، يضغطان بقوة على المعدن النفيس، مع غياب دعم واضح من الطلب الاستثماري التقليدي.
البنك قدم سيناريو أساسياً يُبقي الذهب قرب 4800 دولار للأونصة، لكنه حذر من أن سيناريو أكثر تشدداً يتضمن 3 إلى 4 زيادات في الفائدة قد يدفع الأسعار إلى حدود 3800 دولار، وهو مستوى ينظر إليه كسقف هبوطي محتمل إذا استمر التشدد النقدي بوتيرته الحالية.
وفي السياق ذاته، لمّحت تقارير إلى أن نموذج “تايلور” المستخدم في تقييم السياسة النقدية يشير إلى مستويات فائدة أعلى بنحو 80 نقطة أساس من المعدلات الراهنة، ما يعزز توقعات استمرار الضغط على الذهب خلال الأشهر المقبلة.
على الجانب الآخر، خفّضت مؤسسات كانت من الأكثر تفاؤلاً سقف توقعاتها بشكل واضح، فقد استبعد بنك أوف أمريكا إمكانية وصول الذهب إلى 6000 دولار في المدى القريب، بعد أن كان قد تبنى هذا السيناريو في بداية العام.
التراجع في التوقعات يعكس، بحسب محللي البنك، تحول البيئة الكلية في أمريكا من توقع خفض الفائدة إلى تسعير موجة رفع جديدة، مدفوعة بارتفاع التضخم وتزايد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بأسعار الطاقة.
ويرى البنك أن حتى سيناريو تهدئة محتملة في التوترات الإقليمية لن يكون كافياً لتخفيف الضغوط التضخمية بشكل ملموس، ما يعني أن السياسة النقدية ستبقى العامل الحاسم في تسعير الذهب خلال الفترة المقبلة. يشير تقرير لرويترز إلى أن الذهب يتجه لتسجيل أسوأ أداء فصلي منذ عام 2013، مع تراجع بأكثر من 11% خلال الشهر، وسط عمليات بيع متواصلة من المستثمرين.
اللافت في البيانات أن التدفقات الخارجة من صناديق المؤشرات المرتبطة بالذهب استمرت بعد بيانات الوظائف الأمريكية، والعقود المفتوحة في الأسواق الآجلة هبطت إلى أدنى مستوى منذ 17 عاماً، وأن صافي المراكز الشرائية اقترب من أدنى مستوياته السنوية.
هذه المؤشرات تعكس تحولاً في سلوك المستثمرين من “الشراء عند الانخفاض” إلى “البيع عند الارتفاع”، وهو ما يعتبره محللون تغييراً جوهرياً في المزاج السوقي، حيث ينتقل السلوك الاستثماري من عقلية “الفرصة في الهبوط” إلى عقلية “تقليل الخسائر حتى لو فوّتت فرص الصعود”، في إشارة إلى تراجع شهية المخاطرة وارتفاع الميل للتحوط.
كما ساهم ارتفاع الدولار، الذي سجل مكاسب شهرية جديدة، في زيادة الضغط على الذهب، باعتباره أحد الأصول الأكثر حساسية لتحركات العملة الأمريكية. تداول الذهب مؤخراً دون مستوى 4000 دولار للأونصة، وهو مستوى نفسي وفني شديد الأهمية، مع تسجيله أدنى مستويات منذ سبعة أشهر، وفق بيانات الأسواق الفورية.
وبحسب محللين في بلومبرغ، فقد هبط السعر إلى ما يقارب 3940 دولاراً في بعض الجلسات، ما جعله على مسار تسجيل أكبر خسارة شهرية منذ أزمة 2008، وأكبر تراجع فصلي منذ 2013. كما تشير تقديرات السوق إلى أن استمرار الضغوط قد يدفع الأسعار إلى اختبار مستويات دعم عند 3900 دولار، مع احتمال تراجع أعمق نحو 3600 دولار في حال تسارع دورة التشديد النقدي، وارتفاع الدولار بشكل إضافي.
رغم موجة الهبوط، تشير أغلب التقارير إلى أن البنوك المركزية لا تزال تمثل نقطة دعم أساسية للذهب، إذ تتجه البنوك في الأسواق الناشئة إلى مواصلة تعزيز احتياطاتها من المعدن النفيس، في إطار استراتيجية تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار.
لكن محللين في دويتشه بنك يحذرون من أن هذا الدعم، رغم أهميته، لا يكفي لتعويض التراجع في الطلب الاستثماري الخاص، وخصوصاً في ظل استمرار ارتفاع العوائد الحقيقية في أمريكا.
المشهد الحالي في سوق الذهب لا يبدو مجرد تصحيح سعري، بل إعادة تموضع شاملة لارتباط المعدن النفيس بعوامل الفائدة والدولا، فبين سيناريوهات هبوط قد تصل إلى 3800 دولار، وتوقعات أكثر تحفظاً عند 4800 دولار، يبدو أن السوق يعيش مرحلة اختبار حقيقية لمعادلة “التحوط ضد التضخم” التي طالما دعمته في دورات سابقة.
ويعكس ما يجري اليوم انتقال الذهب من بيئة سيولة وفائدة منخفضة إلى بيئة نقدية أكثر تشدداً، حيث لم تعد الجيوسياسة وحدها كافية لدفع الأسعار صعوداً، في ظل هيمنة السياسة النقدية الأمريكية على اتجاهات الأسواق العالمية.
المصدر: strong> سانا

